مختارات
المرتهنون وراء الشمس
- فهمي هويدي
أصبح إلقاء القبض علي أناس وإطلاق سراح آخرين خبراً ثابتًا في الصحافة المصرية، شبيهًا بأخبار الطقس وأسعار العملات ومؤشرات البورصة، أمس الأول «19/4» تم تجديد حبس 23 من شباب «الفيس بوك» الذين دعوا إلي مظاهرات 6 أبريل، وفي نفس اليوم أطلق سراح 55 من عمال المحلة الكبري الذين اتهموا في أحداث العنف بالمدينة.. ولم يخل الأمر من مفارقة لأن الذين دعوا إلي الإضراب السلمي مدد حبسهم والذين اتهموا في أحداث العنف أطلق سراحهم، ولم يكن لذلك من تفسير سوي أن شبان «الفيس بوك» مجرد أفراد غاضبين ومحبين لوطنهم، وتلك هي الرابطة الوحيدة بينهم، في حين أن كل ما عدا ذلك يفرقهم، أما المتهمون في أحداث المحلة فهم من أبناء مدينة مسكونة بالتوتر والغضب ووراءهم محيط عمالي كبير يضم حوالي 27 ألف عامل، وهؤلاء مطلوب تهدئتهم وامتصاص غضبهم.
قبل ذلك بأيام معدودة قرر النائب العام الإفراج عن إسراء عبد الفتاح وزميلتها نادية مبروك ، وهما من جماعة «الفيس بوك »التي أيدت الإضراب، لكن الفتاتين لم تعودا إلي أهليهما وتبين أن وزارة الداخلية قررت اعتقالهما وإيداعهما مكانًا مجهولاً، حتي الآن علي الأقل، إن شئت الدقة فهو مجهول ومعلوم في ذات الوقت، بمعني أنه مجهول علي الصعيد الجغرافي، من حيث إن أحدًا لايعرف في أي سجن تم إيداعهما، لكنه معلوم علي الصعيد المعرفي، حيث جري ضم الفتاتين إلي العالم الآخر الذي لا حدود له في مصر، عالم السجون والمعتقلات الذي يتوزع علي مختلف أرجاء البلاد،من أقصاها إلي أقصاها، وهو العالم الذي لا نعرف مفرداته ولا خرائطه ولا قوانينه ولا عدد سكانه أو القائمين عليه، كما أننا لا نعرف حقيقة ما يجري وراء أسواره الشاهقة والمترامية، لكننا نعرف أن ذلك العالم انتعش في ظل قوانين الطوارئ، حيث أصبح يضم كل أصناف البشر في بر مصر، الذين أصبحوا يحتجزون لآجال غير محدودة، وتتحدث منظمات حقوق الإنسان في مصر عن أبرياء احتجزوا لأكثر من عشر سنوات بغير محاكمة، وعن متهمين أصدرت المحاكم ما بين 10 و 15 حكمًا بالإفراج عنهم، ولكنهم في كل مرة كانت قرارات الاعتقال تعيدهم إلي زنازينهم مرة أخري، وعن محكومين أنهوا مدة العقوبة لكن الداخلية رفضت إطلاق سراحهم، أما ما يلقاه أولئك المحتجزون وراء الشمس من عنت فحدث فيه ولا حرج، إذ العنت درجات تحددها التعليمات تبعًا لحظوظ كل فئة.. فالمرضي عنهم أو المطلوب إغواؤهم يحيدون وقد يدللون، أما الآخرون فصور التنكيل بهم لا حدود لها ولا قواعد تضبطها وكل ما تسمعه عنها صحيح وربما أقل من الحقيقة.
حين يستعرض المرء القدر المعلوم من المعلومات الخاصة بفئات السياسيين والناشطين المحتجزين في عالم السجون، سيجد أن منهم أعضاء في الجماعات الإسلامية الذين حوكموا وقضوا سنوات العقوبة، لكنهم لايزالون رهن الاعتقال، وسيجد مئات من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين الذين تصدر بحقهم قرارات اعتقال أسبوعية، بمناسبة وبغير مناسبة، وسيجد أعضاء من حركة كفاية، ومن حزب العمل المجمد، وأشخاصًا من العريش ألقي القبض عليهم بمناسبة الأحداث التي وقعت هناك، وآخرين من الإسكندرية اعتقلوا في شهر يناير الماضي بسبب دعوتهم للتضامن مع أهالي غزة المحاصرين، وانضم إلي هؤلاء في الآونة الأخيرة شباب «الفيس بوك» وليست هذه هي كل الصورة بطبيعة الحال، لأن الغموض الذي يحيط بذلك العالم يفتح الباب لاحتمالات أخري، أرجو ألا يكون المجهول فيها أكثر من المعلوم.
إذا دققت في أوضاع وخلفيات هذه القائمة الطويلة من المعتقلين، فستجد أن أكثرهم رهائن لدي أجهزة الأمن، احتجزوا إما للتنكيل بهم أو لتأديب وإنذار نظرائهم، عملاً بالمثل القائل : اضرب المربوط يخاف السايب.
إمام اليمن كان يفعل ذلك في «الأربعينيات» القرن الماضي، حيث كان يحتجز في قصره بعض أبناء شيوخ القبائل ويبقيهم رهائن لديه فيما سمي بـ «الحبس الشريف» ليضمن ولاءهم، ولكن ذلك لم يوقف عجلة التاريخ، حيث قامت الثورة وطويت صفحة الإمامة والإمام، وهذه الجموع الغفيرة المرتهنة في سجون مصر ومعتقلاتها تذكرنا بتلك المرحلة البغيضة من تاريخ اليمن، وتدل علي أن التاريخ يعيد نفسه أحيانًا، وهو أمر سييء لا ريب، لكن الأسوأ منه أن كثيرين من أهل السلطان لا يجيدون قراءة دروسه، ومن ثم لا يستحقون التعلم من خبراته.

